ابن كثير
168
البداية والنهاية
واجتمع الناس عنده لذلك ، فكان فيهم الفرزدق الشاعر ، فقال : أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله . قال الوليد : وما هو ويحك ؟ فقال : قال الله تعالى ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) [ الأنبياء : 79 ] وسليمان هو ابن داود ، ففهمه الله ما لم يفهمه أبوه . فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابا إلى ملك الروم . وقد قال الفرزدق في ذلك : - فرقت بين النصارى في كنائسهم * والعابدين مع الأسحار والعتم وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم * شتى إذا سجدوا لله والصنم وكيف يجتمع الناقوس يضربه * أهل الصليب مع القراء لم تنم فهمت تحويلها عنهم كما فهما * إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم داود والملك المهدي إذ جزءا * ولادها واجتزاز الصوف بالجلم فهمك الله تحويلا لبيعتهم * عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم ما من أب حملته الأرض نعلمه * خير بنين ولا خير من الحكم قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي : بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد وزاد في سمك الحيطان . وقال الحسن بن يحيى الخشني : إن هودا عليه السلام هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق . وقال غيره : لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر وهو اسم حادث لها ، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله ، لان الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا ، ثم إنهم وضعوا فيه زيادة الكرم ، وبنوا فوقها بالحجارة ، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت ، فقال الوليد لبعض المهندسين : أريد أن تبني لي أنت هذه القبة ، فقال : على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري ، ففعل . فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري ، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب ، فلما كان بعد السنة حضر ، فهم به الوليد فأخذه ومعه رؤوس الناس ، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض ، فقال له : من هذا أتيت ، ثم بناها فانعقدت . وقال بعضهم : أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا البناء ، فقال له المعمار : إنك لا تقدر على ذلك ، فضربه خمسين سوطا ، وقال له : ويلك ! أنا لا أقدر على ذلك وتزعم أني أعجز عنه ؟ وخراج الأرض وأموالها تجبي إلي ؟ قال : نعم أنا أبين لك ذلك ، قال : فبين ذلك ، قال : اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك ، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما ضرب منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب ، فقال : يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة ، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه ، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينارا ، وقال إني لا أعجز عما قلت ، ولكن فيه